وأخيراً القمة العربية

!
بقلم محجوب التجاني
3 ابريل 2006
"ندعو كافة الأطراف الاقليمية والدولية المعنية للعمل على إعادة الأمن والاستقرار في السودان ... ندعو كافة الأطراف السودانية المشاركة في محادثات السلام حول دارفور لمضاعفة جهودها للتوصل إلى اتفاق شامل ونهائي لحل أزمة دارفور،" كانت تلك مناشدة القمة العربية في اعلانها "اعلان الخرطوم" الصادر في العاصمة السودانية في 29 مارس 2006.
عبّرت القمة عن عواطف جياشة "تضامناً مع الوحدة العربية" في مواجهة "الغزو الخارجي". غير أن تلك العواطف كانت مع ذلك "جعجعة بغير طحين" إذ أخفقت القمة، بحضور خمسة فقط من رؤساء الدول، في إلزام الدول المشاركة بقرارات واضحة لتسوية الخلافات مع المجتمع المدني ومجموعات المعارضة، دمقرطة أنظمة الحكم، وإنجاز التعهدات الاقليمية والدولية تجاه المرأة والأقليات الإثنية والدينية، وغيرها من المجموعات السكانية المضطهدة.
واجه اجتماع القمة العربية في العاصمة السودانية معارضة قويّة من مجموعات حقوق الانسان والديمقراطية العديدة، على نحو ما جرى التعبير عنه أمام اجتماعات القمة الافريقية في الخرطوم، المحتجة على ترؤس حكومة الجبهة القومية الاسلامية القمعية لاجتماعات القمة وهي الحكومة التي يتجاهل رئيسها الأجندة الوطنية الأكثر إلحاحاً والخاصة بالمصالحة الوطنية، تسوية الصراعات في دارفور وشرق السودان، وقف أعمال الارهاب الذي تمارسه الأجهزة الأمنية في مواجهة المجتمع المدني، التصالح مع مجموعات المعارصة، وتسليم المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية للمحاكمة الدولية إلخ.
مؤكدة على تسوية لكافة اللبنانيين، وجّهت لبنان لطمة قوية لمبادرة الجبهة القومية الاسلامية المغرضة التي هدفت لرهن تسوية الصراع اللبناني بتسوية الخلاف السوري-اللبناني. على الرغم من أن المبادرة لم يتم الكشف عنها بشكل كامل للرأي العام سواء من جانب السلطات السورية أو اللبنانية، إلا أنها (المبادرة) تبدو جهداً دبلوماسياً ضعيفاً لتحرير كلتا المبادرتين من الضغوط الدولية. فضلاً عن ذلك، فبالنسبة للمسألة العراقية فشلت القمة في إلزام القادة العرب بتقديم عون تنموي فعّال للعراقيين يسهم في تحريرهم من الديون القائمة عليهم. مع ذلك، أكدت الجهات الغربية والعربية على أهمية الوحدة الوطنية في العراق ولبنان!
رحبت القمة باقتراح مصري لعقد جلسة تشاورية في ما بين انعقاد لقاءات القمة العادية (الإهرام، القاهرة، 30 مارس 2006). سوف تتيح الجلسات المقترحة على الأرجح أعمال المتابعة والتنسيق السياسي على مستوى عال، إلا أن هذه الجلسات قد تجهض بدورها الحوار أو الرؤية العربية بقرارات "جاهزة الصنع"!
تطلعاً إلى تطبيق فعّال لاتفاق نيفاشا وسودان موّحد وسلمي يعمل في تناغم مع كافة الدول الأخرى لتنمية السودان، فان قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1556 (2004) يدعو حكومة السودان إلى (تسهيل وصول العون الإنساني الدولي، دفع تحقيق مستقل في تنسيق مع الأمم المتحدة حول انتهاكات حقوق الإنسان، تسهيل عمل المراقبين حسب اتفاق انجمينا لوقف اطلاق النار، التعاون مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان، إنجاز اتفاق سياسي دون إبطاء، الوفاء بالتزاماتها الخاصة بنزع سلاح مليشيات الجنجويد وإلقاء القبض على قادتهم وتقديمهم للعدالة بجانب الذين تعاونا معهم").
عوضاً عن ممارسة ضغوط على نظام الجبهة القومية الإسلامية لحمله على إبداء التزام مسئول وتطبيق هذه التعهدات الدولية، قررت القمة العربية منح جائزة تشجيعية على "الإدارة الواعية لأعمال القمة ... بالحكمة والخبرة المشهود لها بالكفاءة والتجديد ... للرئيس عمر البشير والذي سيشهد العمل العربي المشترك في ظل رئاسته المزيد من الانجازات والتطوير لما فيه خير الأمة العربية"!
بعمومية تتجنب الإشارة إلى الحاجة لتوجيه دعوة مباشرة للمعارضة السودانية للمشاركة مع الطرفين المتفاوضين في محادثات السلام الجارية (متمردي دارفور ومجموعة الجبهة القومية الاسلامية الحاكمة)، في الوقت الذي تقدم فيه "دعماً عربياً لقوات الاتحاد الافريقي" لم يتم الإفصاح عن نوعه، أهدر الإعلان العربي -بشكل غير خافي- عنصراً أساسياً لضمان حلول مستحقة للأزمة السياسية في الدولة السودانية، بشكل عام، وفي منطقة دارفور، بشكل خاص. مع ذلك، قصرت هذه الاستراتيجيات عن تقديم تسوية فاعلة للأزمة المستفحلة تحظى بدعم الحكومة والمعارضة والخارج.
إن نظرة خاطفة للتركيبة السياسية لدارفور تكشف عن التأثير السياسي-الديني لحزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي في المنطقة منذ الحقبة الاستعمارية وصولاً للأزمنة الحاضرة. هذان الحزبان، بجانب المجموعات المكافحة الأخرى بما فيها الحزب الفيدرالي، العديد من الروابط والاتحادات المهنية ومنظمات المجتمع المدني، مجموعات التمرد الدارفورية حديثة النشأة، الفصيل المعارض في الجبهة القومية الاسلامية "حزب المؤتمر الشعبي"، وبضع مجموعات بدوية وزراعية أخرى تشكّل الغالبية الساحقة لسكان دارفور، وهي أغلبية لا يمكن لأية تسوية للأزمة في دارفور أن تتجاوزها بأي شكل من الأشكال!
إن "الأطراف الدولية والاقليمية المهتمة" و"الأطراف السودانية المشاركة"، تحديداً حكومة السودان، جرى مخاطبتها بواسطة القمة، مع ذلك، فقد جرى إقصاء معظم هذه المجموعات المعارضة من كافة عمليات صنع القرار، بما في ذلك مفاوضات السلام الهامة بين الحكومة المركزية ومناطق الجنوب، دارفور، وشرق السودان، رغم ما يعنيه ذلك الإقصاء من إلحاق ضرر بليغ بالوطن.
مع ذلك، فان استراتيجيات القوى الخارجية لعملية السلام أكدت على إنجاز ترتيبات قصيرة المدى لهيكل الحكم على أساس اتفاقيات وقف اطلاق النار. أخطأت الاستراتيجيات في تقدير الاستجابات الوطنية وردود الفعل السالبة المتوقعة على المدى الطويل.
بالتجاهل الشديد للحقائق الهامة في الساحة السودانية، فان الرعاة الدوليين لعملية السلام في البلاد، بما فيهم حكومة الولايات المتحدة، الاتحاد الاوروبي، الايجاد، والاتحاد الافريقي قد أخطأوا بشكل لا داعي له في تقدير الدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه المعارضة السودانية في مفاوضات السلام (الشمالية الجنوبية) التي خلصت إلى اتفاق حصري أُسمي باتفاق السلام الشامل في يناير 2005.
سارت القمة العربية على ذات النهج بتجاهلها لطبيعة الأزمة والحاجة لضمان مشاركة سودانية واسعة في السعي الراهن لسلام دائم واستقرار سياسي في البلاد.
بالنسبة لقطاع واسع من الجماهير السودانية، التي ظلت معارضتها محل استهداف متواصل من قبل مليشيات الجبهة القومية الاسلامية مدججة السلاح وقوات أمنها (التي اجتاحت مؤخراً طرقات الخرطوم بشعاراتها العدائية وهي تدين كلاً من مجموعات المعارضة والأمم المتحدة/الولايات المتحدة و"عداونها على السودان"، فان الموقف السلبي للرعاة الخارجيين تجاه مسألة تمثيل كافة الأحزاب السودانية في عملية السلام قد عمّق وزاد من سلبيات قصر نظر مجموعة الجبهة القومية الاسلامية الحاكمة (لسبعة عشر عاماً حتى الآن في تحالف فاسد بين جنرالات الجيش ورجال أعمال الجبهة القومية الاسلامية).
في المحصلة النهائية، بالنسبة للتفاصيل الخاصة بعلاقات السلطة والأداء الإداري فيما يتعلق بسلطات الدولة السياسية، التشريعية، التنفيذية والقضائية فقد انبثق اتفاق السلام الشامل عن مرجعية ثنائية، وتمّت الموافقة عليها من قبل فريقين في الصراع السوداني غير متساوقين، هما الحكومة المركزية التي يسيطر عليها عسكريو الجبهة القومية الإسلامية (منذ يونيو 1989) ومجموعة التمرد المتمثلة في الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان -اللذين سيطرا على المفاصل الرئيسية في حكومة الوحدة الوطنية التالية لنيفاشا مع تمثيل غير ذي قيمة، أو دون تمثيل، للمجموعات السودانية الأخرى، غض النظر عن ثقلها السياسي ونفوذها الوطني.
هذه اللامبالاة البالغة بالتنوع والتعددية السودانية راسخة الجذور أفصحت عن الحقيقة بتعريتها لاتفاق السلام الشامل في مواجهة التجمع الوطني الديمقراطي المظلة الواسعة للمعارضة ومقرراته الأصيلة لتحقيق السلام الدائم والعادل في السودان. إن مقررات التجمع الوطني الديمقراطي واتفاقاته المجمع عليها مثّلت استراتيجيات وطنية مبدئية تعاونت - بشكل أو آخر- مجموعات الضغط الغربية، الايجاد، الاتحاد الافريقي وأخيراً الجامعة العربية لإبدالها باتفاق السلام الشامل القائم على محاصصة ثنائية للسلطة والثروة.
مقارنة بالصفقة الحصرية المتمثلة في اتفاق السلام الشامل فقد عنيت مقررات التجمع الوطني الديمقراطي الأصيلة بالسودانيين كافة، وذلك تقليد متجذر في الثقافة السياسية السودانية، وهو أفضل سبيل دون شك لضمان وحدة وطنية وحكم ديمقراطي. لكن الأشد سوءاً كان العرض الذي قدمته كرهاً الجبهة القومية الاسلامية للتجمع الوطني الديمقراطي في القاهرة عوضاً عن متابعة التفاوض. لم يقدم العرض جديداً في اتجاه تصويب اتفاق السلام الشامل نحو إنجاز حكم "وطني" انتقالي بدلاً عن حكومة ائتلاف حزبي.
بإقصاء الكيانات الكبيرة للتجمع الوطني الديمقراطي، الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة، وحرمانها من نصيب حقيقي في المشاركة السياسية وعملية صنع القرار الوطني، فان حكومة الوحدة الوطنية لا تعبر إلا عن نفسها كحكومة تحالف بين الجبهة القومية الاسلامية والحركة الشعبية لتحرير السودان. بمشاركة محدودة لمجموعات سياسية صغيرة وحقيبة وزارية أو اثنتين لمعارضين سابقين فان حكومة الوحدة الوطنية لا تملك أساساً للإدعاء بكونها تمثيل قومي للسودان.
على الرغم من أن الإعداد لها -وإنجازها- جاء أساساً من جهات اقليمية وقوى دولية لحماية حصة الجنوب من السلطة والثروة القومية، فان إقصاء الأحزاب الرئيسية المعارضة السودانية عن عملية السلام لا يؤدي إلا إلى خفض الضمانات المحلية الضرورية المطلوبة لتنفيذ الاتفاق بالشكل الحقيقي المطلوب، وهذا الوضع سيكون في النهاية ضد الحماية التي هدف اتفاق السلام، في المقام الأول، لتحقيقها منذ إجازة اتفاق السلام الشامل في يناير 2005 بواسطة الشريكان الثنائيان.
تماماً كما كان متوقعاً، فقد انتهزت حكومة الوحدة الوطنية التي تسيطر عليها الجبهة القومية الاسلامية الفرصة لإحتكار عملية صنع القرار الوطني، في تعاون وثيق مع الاتحاد الافريقي والجامعة العربية، في الأجندة الوطنية الحسّاسة التي تتطلب شرعاً أوسع اجماع وطني (مثال أزمة دارفور، أزمة شرق السودان، أزمة السياسة الخارجية مع مجلس الأمن الدولي والمحكمة الجنائية الدولية وأزمة الحكم الانتقالي في السودان عامة).
على نحو ما قال به مراقبون عديدون داخل البلاد وخارجها، فان مسلك الجبهة القومية الاسلامية يواصل إضعاف دور حكومة جنوب السودان، إضافة إلى الإقصاء العنيد للمعارضة الشمالية في ما يتعلق بدارفور وشئون البلاد الأخرى.
بصرف النظر عن التأييد "الرسمي" الذي خلعه الاتحاد الافريقي/القمة العربية على حكام الجبهة القومية الاسلامية فان التحديات المتقّدة التي لا تنطفيء جذوتها للقوى والحركات الديمقراطية السودانية في مواجهة مليشيات الجبهة القومية وأجهزتها الأمنية والخطط الاقتصادية غير المقبولة لحكومة الوحدة الوطنية، بما في ذلك صفقات النفط المثيرة للتساؤل والفساد المالي، إضافة إلى المواجهات المتصاعدة مع المجتمع الدولي وهيئاته، قد عزلت النظام الحاكم في الساحات الوطنية والدولية وتسبّب أذى بالغاً لوضع السلام ومستقبل وحدة البلاد.
انتقد العديد من الساسة وغيرهم في الشمال والجنوب الحسابات الخاطئة لاتفاق السلام الشامل بين الشمال والجنوب منذ انطلاق عملية السلام، والتي جاءت في بدايات عام 2000 نتيجة جهود نشطة للمبعوث الأمريكي السيناتور دانفورث. عقد السيناتور اجتماعات مع كافة أطراف الأزمة السودانية، غير أنه عمل في تعاون وثيق فقط مع نظام الجبهة القومية الاسلامية والحركة الشعبية لتحرير السودان عبر الدول الغربية ومجموعات الضغط لتسوية، وإعادة تشكيل وإقامة اتفاق سلام شامل حزبي لوضع "نهاية" للأزمة الوطنية في السودان.
من بين أبرز المنتقدين السودانيين، يواصل التجمع الوطني الديمقراطي دعم عملية السلام على الرغم من تحفظات عديدة حول نصوص سياسية وتشريعية وقضائية وتنفيذية ترد في اتفاق السلام الشامل. مع ذلك، حذّر التجمع الوطني الديمقراطي على نحو متكرر من أن "غياب قوى التجمع الوطني الديمقراطي من مفاوضات نيفاشا يمثل قصوراً خطيراً سيؤثر بشكل عظيم في نتائج المفاوضات، وأيضاً في تطبيق الحكومة لها في المستقبل القريب". تنبأ التجمع الوطني الديمقراطي أن تمضي حكومة الوحدة الوطنية لإجراء انتخابات غير نزيهة خلال الفترة الانتقالية (بيانات عديدة للتجمع الوطني الديمقراطي ما بين 2000 و2006).
من الأهمية بنفس القدر الإشارة إلى أن حزب الأمة، ذي النفوذ الكبير في منطقة دارفور في المهدية وحقبة الاستعمار، طويلاً قبل استقلال السودان السياسي، وخلال الفترة التالية للاستقلال (1956 حتى الآن)، والحزب الاتحادي الديمقراطي - الند لحزب الأمة في الانتخابات الوطنية وأحد الأطراف السياسية الرئيسية في كافة الحكومات التي جرى انتخابها ديمقراطياً في السودان قد احتجا بصوت عال على حصة ال 14% الضعيفة التي منحها اتفاق السلام الشامل باحتقار للكيانات الكبيرة والقائدة تاريخياً في السودان في حكومة الوحدة الوطنية الراهنة.
صحيح أن الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان قد ظل يكدح بحرص للمحافظة على علاقات وثيقة مع مجموعات المعارضة الشمالية، لاسيما التجمع الوطني الديمقراطي والحزب الاتحادي الديمقراطي اللذين يقودهما السيد الميرغني. إن رفض الدور المزدوج كزعيم معارض وشريك حاكم من قبل السيد سيلفا كير، خليفة الراحل جون قرنق، الشريك المخضرم للتجمع الوطني الديمقراطي والحزب الاتحادي الديمقراطي، أضاف إلى لا منطقية تبنّي الحركة الشعبية لاعتراضات التجمع الوطني في ذات الوقت الذي تضطلع فيها بمسئوليات الحكم وتتقيّد فيه بالتزامات اتفاق السلام الشامل. قاد هذا الوضع إلى إغتراب الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان أو انسلاخها الفعلي عن الكيان الكبير للمعارضة.
لم تعد الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان قائمة كمجموعة معارضة لنظام الجبهة القومية الاسلامية ضمن التجمع الوطني الوطني الديمقراطي: فالحركة/الجيش الشعبي كيان حاكم خاضع للمساءلة حسب كافة المعايير الديمقراطية أمام المعارضة السودانية، وكذا جماهير الشعب السوداني فيما يتعلق بأداء حكومة الوحدة الوطنية بجانب حكام الجبهة القومية الاسلامية الذين يواجهون السخط العام. يمكن الإشارة في هذا المقام إلى رفض برلمانيي الجنوب لحكومة جنوب السودان التالية لنيفاشا، وهو الرفض الذي جرى التعبير عنه في مذكرة البرلمانيين من أبناء النوير التي وُجهت للرئيس كير.
علاوة على ما سبق، فمنذ رحيل أكثر قادة السودان الجديد تأثيراً ووحدوية، د. جون قرنق دي مبيور، انحسرت الرغبة العالية في الوحدة الوطنية في أوساط النخب الحاكمة الشمالية-الجنوبية حتى كادت تختفي، في الوقت الذي رفعت فيه الحركة المضادة للوحدة في كلا شطري الوطن شعارات الانفصال السياسي.
لا يمكن في الوقت الحالي تقدير حجم هذه الحركة بشكل واضح. مع ذلك، فان الضغوط الدولية القوية على حكومة الوحدة الوطنية لتحسين تطبيق اتفاق السلام الشامل من ناحية، والقلق الافريقي العربي على الوضع الإنساني وغير ذلك من الأجندة الأمنية قارياً ودولياً من جانب آخر، قد فشلت في إيلاء دعم كافي لأجندة الوطن الرئيسية لتحقيق وحدة وطنية واستقرار سياسي عبر نظام حكم تعددي.
على نحو ما تمت الإشارة اليه قبلاً، صادقت القمة العربية على عدّة رؤي عاطفية وخطط ايديولوجية لتعزيز "الوحدة والتضامن العربي". كان من بين هذه الخطط التي جرى تضمينها في اعلان الخرطوم التأكيد على حقوق المرأة والبحث العلمي والتي أغفلت أية أشارة حقيقية إلى الحاجات الإنسانية الملحّة للسكان في المنطقة العربية كي ينعموا بالحق في الحياة والحريات العامة مقابل أعمال القتل خارج نطاق القضاء، الاعتقالات الاعتباطية والتعذيب بواسطة قوات الأمن والحرس البريتوري العربية جيدة التمويل.
بعيداً عن اللهجة الدمثة للدول العربية "ثناءً، بالعرفان، على الإدارة الواعية لأعمال القمة ... من خلال الحكمة، الخبرة، الكفاءة، والتجديد ... للرئيس عمر البشير والذي سيشهد به العمل العربي المشترك المزيد من الانجازات والتطوير لما فيه خير الأمة العربية"(!)، فقد دعا البيان الختامي للقمة إلى دعم "المبادرات الوطنية التي تهدف لتوسع أساس المشاركة في الحكم بطريقة تضمن الوفاق الوطني والسلام."
إن البلاء السياسي-الاداري الذي يسم الحكومات العربية بحالة من التذبذب المتصل في ما يتعلق بقضايا السلام والحرب، الديمقراطية والديكتاتورية، الوفاق الوطني والقمع الأمني، الخ، لم يغب عن القمة العربية التي أخفقت في مخاطبة أكبر قضايا السودان بأي التزام قاطع. جرى إدخال عدة تعديلات على الاعلان، منها وعد مبهم بدعم قوات الاتحاد الافريقي "بالمعدات اللوجستية اللازمة لإنجاز مهمتها،" بدلاً عن 150 مليون دولار ضُمّنت في مشروع الاعلان المقترح (صحيفة الرأي، الكويت 30 مارس 2006).
أشارت صحيفة القبس (الكويتية في 30 مارس 2006) إلى "الاحباط الذي أصاب السودانيين من فشل القمة في توفير عون إنساني فاعل أو قدر من الدعم القوي لوقف التدخل الدولي في شئون البلاد الداخلية." حقيقة الأمر، مع ذلك، هي أن المانحين الغربيين، وليس الحكومات العربية، هم الذين يقدمون باستمرار القسط الأعظم من العون لضحايا الجفاف، المجاعة، أو الحرب الأهلية السودانيين.
بالقطع، لكان من الأفضل لو قدمت القمة نصحاً للرئيس السوداني لتسوية أزمة البلاد في تعاون كامل مع المعارضة السودانية. لتجنّب عقوبات دولية، يتعيّن على حكام الجبهة القومية الاسلامية التوقف عن سياساتهم وممارساتهم الحزبية للوصول إلى تفاهم مع كافة مجموعات المجتمع المدني والديمقراطية كيما يمكن تعديل نصوص اتفاق السلام الشامل عبر مؤتمر قومي دستوري ينظر في حالة البلاد. يتعيّن ترجمة الاجراء السياسي لما يوافق الحقائق في السودان لتيسير انتقال فعّال نحو الحكم الديمقراطي والسلام الدائم.
بوضوح، فان السبيل الوحيد لضمان استقرار سياسي ووحدة وطنية في البلاد يعتمد على كفالة مشاركة سياسية كاملة لمجموعات المعارضة السودانية في عملية السلام في دارفور، شرق السودان، وغيرهما من مناطق النزاع في السلام، دون تمييز. هذه المشاركة الغائبة يتيعّن مخاطبتها على الفور لمقابلة الحاجات الماسة لجنوب السودان لتعزيز تنميته الاجتماعية، الاقتصادية، والسياسية عبر التزام مبدئي -لا تمييز فيه- بحقوق وحريات المواطنين، على نحو ما ورد في اتفاق السلام الشامل، بالاحترام المستحق للتنوع الثقافي والبنية التعددية للاقليم.
أن اتفاق انجمينا لوقف اطلاق النار (والاتفاق الأمني) لم يطرح حل سياسياً شاملاً لوضع نهاية لأزمة دارفور، على نحو ما قال عمر البشير (3 ابريل 2006). هذا النهج من الدفاع الذاتي يتصل به أن التمويل الموعود من القمة العربية أو "الحكمة" التي خلعتها على الرئيس الباطش عمر البشير وطغمته وحكومته القمعية لن ينهيان أزمة دارفور، ناهيك عن أزمة السودان.
إن الطريق إلى السيادة الوطنية والتعاون الدولي لم يتم الاهتداء إليه بعد من قبل النخبة السودانية الحاكمة، إن لم نقل بعجزها الكامل عن الإهتداء إليه. هناك بالفعل ما يكفي من البراهين في اتفاق الجنوب والجبهة القومية الاسلامية: إن حكومة انتقالية واسعة تضم بتمثيل مكافيء أحزاب المعارضة السودانية، المجتمع المدني ومنظماته، ومجموعات حقوق الإنسان هي وحدها التي تستطيع إنجاز المهمة المعقّدة.





 

 

 


كلمة المحرر هذه المنظمة |بيانات صحفية |مقالات | ال دورية | تقارير| للإجراء الفوري |منبرالمرأة| مصادر أخري |
| إتصل بنا |عودة للصفحة اللأولي
English Site